أحمد بن محمد المقري التلمساني

110

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ترفيعه وجوه البرّ وأعيان العناية ، وأنطق بتبجيله ، ألسن أهل جيله ، بين الإفصاح والكناية ، ولما كان له الحسب الأصيل الذي شهدت به ورقات الدواوين ، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين ، والآباء الذين اعتدّ بمضاء قضاتهم « 1 » الدين ، وطبّق مفاصل الحكم بسيوفهم الحقّ المبين ، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين ، فمن فارس حكم أو حكيم تدبير ، وقاض في الأمور الشرعية ووزير ، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير ، تعدّد ذلك واطّرد ، ووجد مشرع « 2 » المجد عذبا فورد ، وقصرت النظراء عن مداه فانفرد ، وفرى الفريّ « 3 » في يد الشرع فأشبه السيف البرد ، وجاء في أعقابهم محييا لما درس ، بما حقّق ودرس ، جانيا لما بذر السلف المبارك واغترس ، طاهر النشأة وقورها ، محمود السجية مشكورها ، متحلّيا بالسكينة ، حالّا من النزاهة بالمكانة المكينة ، ساحبا أذيال الصّون ، بعيدا عن الاتصاف بالفساد من لدن الكون « 4 » ، فخطبته الخطط العليّة ، واغتبطت به المجادة الأوّلية ، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرتب ، واستظهرت على المناصب بأبناء التّقى والحسب ، والفضل والمجد والأدب ، ممّن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب ، فكان معدودا من عدول قضاتها ، وصدور نبهائها ، وأعيان وزرائها ، وأولي آرائها ، فلمّا زان اللّه تعالى خلافته بالتمحيص المتحلي من التخصيص ، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز بعد التخليص ، كان ممّن صحب ركابه الطالب للحقّ بسيف الحقّ ، وسلك في مظاهرته أوضح الطرق ، وجادل من حادّه بأمضى من الحداد الذّلق ، واشتهر خبر وفائه في الغرب والشرق ، وصلّى به صلاة السفر والحضر ، والأمن والحذر ، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر اللّه عهدها ، وخاطب عنه - أيّده اللّه تعالى ! - المخاطبات التي حمد قصدها ، حتى استقلّ ملكه فوق سريره ، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره ، ونزل الستر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره ، وكان الجليس المقرب المحلّ ، والحظيّ المشاور في العقد والحلّ ، والرسول المؤتمن على الأسرار ، والأمين على الوظائف الكبار ، مزين المجلس السلطاني بالوقار ، ومتحف الملك بغريب الأخبار ، وخطيب منبره العالي في الجمعات ، وقارىء الحديث لديه في المجتمعات . ثم رأى ، أيّده اللّه تعالى ، أن يشرك رعيّته في نفعه ، ويصرف عوامل الحظوة على مزيد رفعه ، ويجلسه مجلس الشارع صلوات اللّه عليه لإيضاح شرعه ، وأصله الوثيق وفرعه ، وقدمه أعلى اللّه تعالى قدمه ، وشكر آلاءه « 5 » ونعمه ، قاضيا في الأمور الشرعية ، وفاصلا في القضايا الدينية ، بحضرة غرناطة العليّة ، تقديم

--> ( 1 ) في ب « قضائهم » . ( 2 ) المشرع : المورد . ( 3 ) الفري : الشيء الغريب العجيب . ( 4 ) الكون : الوجود . ( 5 ) الآلاء : النعم . واحدها إلى ، بكسر الهمزة وفتح اللام منونة .